إجابة مختصرة
نعم. فالرجل الذي يقول إن الله (﷾) أرسله لا يمكن أن يكون إلا واحدًا من ثلاثة. إما أنه كان يكذب، طلبًا للمال أو السلطة أو الشهرة. وإما أنه كان مجنونًا أو مخدوعًا، يصدّق ذلك فقط. وإما أنه قال الحق. والسجل ينفي الأولين. فقومه سمّوه الأمين قبل أن يدّعي شيئًا. وحتى عدوه أبو سفيان اعترف بأنهم لم يتّهموه بالكذب قط. ولما عرضت عليه قريش أن تجعله أكثرهم مالًا وملكًا عليهم إن كفّ، رفض. وتحمّل سنين من الاضطهاد، ومات ودرعه مرهونة بشعير. ولم يكن مجنونًا. فرسول أعدائه نفسه قال إن الكلام الذي يتلوه ليس بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة. والرجل الذي سمّوه مجنونًا وحّد معظم جزيرة العرب في ظل شريعة واحدة. والرجل الذي يخدع نفسه لا يتلو آيات تصحّحه علانية. فما يبقى هو الجواب الثالث: كان رسول الله (﷾) الأخير.
الشرح الكامل
ثلاثة احتمالات فقط
قال النبي (ﷺ) إن الله (﷾) أرسله، وإن القرآن كلام الله (﷾) لا كلامه. والرجل الذي يقول هذا لا يمكن أن يكون إلا واحدًا من ثلاثة. إما أنه كان يكذب ويعلم، طلبًا للمال أو السلطة أو الشهرة ربما. وإما أنه كان مجنونًا أو مخدوعًا: يصدّق ذلك حقًّا، لكنه جاء من عقله هو أو من شيء آخر. وإما أنه قال الحق. والقرآن نفسه يسجّل التهمتين الأوليين، ويجيب عنهما. وكل منهما يمكن أن تُختبر بسجل حياته، واحدة بعد أخرى.
“وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ إِفْكٌ ٱفْتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ ۖ فَقَدْ جَآءُو ظُلْمًۭا وَزُورًۭا وَقَالُوٓا۟ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةًۭ وَأَصِيلًۭا”
“وَقَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌۭ”
“مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍۢ”
هل كان كاذبًا؟
قبل الوحي كان النبي (ﷺ) معروفًا في مكة بالأمين. وكان الناس يودعون عنده أماناتهم. ولما اختصمت القبائل فيمن يضع الحجر الأسود في مكانه، اتفقوا على أن يقبلوا حكمه. ولما جمع البطون أول مرة عند الصفا، قالوا له إنهم ما جرّبوا عليه إلا صدقًا. وبعد سنين سُئل أبو سفيان، وهو لا يزال عدوّه، أمام الإمبراطور البيزنطي هرقل. فلما سُئل هل كانوا يتّهمون محمدًا (ﷺ) بالكذب قبل بعثته، قال لا. فاستنتج هرقل أن من لم يكن ليكذب على الناس لا يكذب على الله (﷾). والقرآن يأمره بأن يشير إلى العمر الذي لبثه فيهم قبله.
يذكر أن محمدًا (ﷺ) كان معروفًا في قريش قبل بعثته بالأمين. ولما اختصمت القبائل فيمن يضع الحجر الأسود في مكانه عند إعادة بناء الكعبة، اتفقوا على أن يحكّموا أول من يدخل، فكان هو. وكان أهل مكة يودعون عنده أماناتهم، وعند الهجرة أبقى عليًّا بعده ليردها إلى أصحابها.
روى ابن عباس أن النبي (ﷺ) لما جمع بطون قريش أول مرة عند الصفا، سألهم هل يصدقونه لو أخبرهم أن خيلًا بالوادي. فقالوا: نعم، فإنهم ما جربوا عليه إلا صدقًا. فأخبرهم أنه نذير لهم بين يدي عذاب شديد.
سأل الإمبراطور البيزنطي هرقل أبا سفيان، وكان يومئذ لا يزال عدوًّا للنبي (ﷺ). فلما سُئل هل كانوا يتّهمون محمدًا بالكذب قبل أن يدّعي النبوة، أجاب بالنفي. فاستنتج هرقل أن رجلًا لم يكن ليكذب على الناس لا يكذب على الله.
“قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًۭا مِّن قَبْلِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ”
الكاذب لا يقطع وعودًا يمكن التحقق منها
الكاذب يتجنّب الوعود التي يستطيع أعداؤه التحقق منها. والقرآن قطع وعدين. فحين سحقت فارس الروم، قال إن الروم سيغلبون في بضع سنين. ومنذ سنة 622 قلب الإمبراطور الروماني هرقل مجرى الحرب، وبحلول سنة 627 هزم فارس. وقال أيضًا إن عم النبي (ﷺ) أبا لهب، وهو من أشد أعدائه، سيصلى نارًا، أي أنه سيموت كافرًا. وعاش أبو لهب سنين بعد نزولها. ولم يكن عليه إلا أن يقول إنه مسلم، ولو كاذبًا، ليثير الشك فيها. ولم يفعل قط، ومات بعد غزوة بدر بقليل، وهو لا يزال عدوًّا للإسلام. وصفحة (ما النبوءات التي تحقّقت في القرآن؟) تعرض الأمرين.
“غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِى بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ ٱلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنۢ بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍۢ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ”
تاريخ للإمبراطور الروماني (البيزنطي) هرقل. يسجّل فتوح الفرس لأراضي الروم، ومنها القدس سنة 614، وحملات هرقل المضادة منذ سنة 622، التي انتهت بانتصاره قرب نينوى سنة 627 وتسليم الفرس الأراضي التي فتحوها.
“تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍۢ وَتَبَّ مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَىٰ نَارًۭا ذَاتَ لَهَبٍۢ”
يروي أن أبا لهب تخلّف في مكة حين خرجت قريش إلى بدر، وأنه مات بعد المعركة بقليل، وهو لا يزال عدوًّا للنبي (ﷺ) وللإسلام.
هل فعل ذلك طلبًا لمنفعة؟
لم يكن بحاجة إلى المال ولا إلى المكانة. فقبل بعثته كان قد تزوج خديجة، وهي امرأة تاجرة ذات شرف في مكة كان قد تاجر لها، وكان قومه يثقون به ويكرمونه. ولو أنه اخترع ذلك طلبًا للمال أو السلطة أو الشهرة، فقد عُرضت عليه الثلاثة كلها، فردّها. فقد أرسلت قريش إليه عتبة بن ربيعة بعرض. إن كان يريد مالًا جعلوه أكثرهم مالًا. وإن كان يريد شرفًا سوّدوه عليهم. وإن كان يريد ملكًا ملّكوه عليهم. فاستمع إلى عتبة حتى فرغ، ثم قرأ عليه القرآن. وحتى لو كان كل ما يريده أن يقود جزيرة العرب ويصلحها، فقد أعطاه ذلك العرض السلطة ليفعل ذلك. وكان الشرط الوحيد أن يكفّ عن دعوة الناس إلى عبادة الله (﷾) وحده، وهذا ما لم يكن ليفعله. والرجل الذي لا يريد إلا الأتباع لا يقول لليهود والنصارى من حوله، الذين كان يمكن أن يكسب تأييدهم، إن كتبهم حُرّفت، وإن عيسى لم يُصلب، وإن الله (﷾) ليس ثالث ثلاثة. بل جلبت عليه رسالته سنين من الاضطهاد. فقد قوطعت عشيرته. وفقد زوجته خديجة وعمه أبا طالب، وطرده سادة الطائف. وعرض عليه ملك أن يطبق الجبال على الذين ردّوه. فقال بدلًا من ذلك إنه يرجو أن يخرج الله (﷾) من أصلابهم من يعبد الله (﷾) وحده. وانتهى حاكمًا لجزيرة العرب، ومع ذلك مات ودرعه مرهونة عند رجل يهودي بشعير، ولم يترك مالًا. ولم يكن ليُبقي عنده ليلة واحدة قطعة ذهب من الصدقة. وكان يمر شهران لا تُوقد في بيوته نار للطبخ، وكان أهله يعيشون على التمر والماء. والغريب الذي جاء إلى المسجد كان عليه أن يسأل أيّ الرجال الجالسين محمد (ﷺ). ولم يجعل أحدًا فوق القانون: فقد قال إنه لو أن ابنته فاطمة سرقت لوقعت العقوبة عليها أيضًا.
يسجل أن محمدًا (ﷺ) وُلد في مكة عام الفيل، الذي يجعله التراث الإسلامي نحو سنة 570م؛ وأن أباه عبد الله مات قبل أن يولد، وأمه آمنة وهو ابن ست؛ وأنه نشأ في كفالة جده عبد المطلب ثم عمه أبي طالب؛ وأنه تاجر لخديجة، وهي امرأة تاجرة ذات شرف في مكة، وتزوجها وهو ابن خمس وعشرين.
يذكر أن قريشًا أرسلت عتبة بن ربيعة إلى النبي (ﷺ) بعرض: إن كان يريد مالًا جعلوه أكثرهم مالًا؛ وإن كان يريد شرفًا سوّدوه عليهم؛ وإن كان يريد ملكًا ملّكوه عليهم؛ وإن كان به رَئِيٌّ من الجن بذلوا أموالهم في علاجه. فاستمع إليه النبي حتى فرغ، ثم قرأ عليه أول سورة فصلت. فرجع عتبة وأخبر قريشًا أنه سمع كلامًا ليس بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، ونصحهم أن يتركوه وشأنه.
يسجل اضطهاد المسلمين في مكة: مقاطعة قريش لعشيرة النبي (ﷺ)، ووفاة زوجته خديجة وعمه وحاميه أبي طالب في وقت متقارب، ورحلته إلى الطائف، حيث ردّه سادتها وأغروا به سفهاء البلد وهو يغادر.
سألت عائشة النبي (ﷺ) هل أتى عليه يوم أشد من يوم أحد. فذكر اليوم الذي عرض فيه دعوته على ابن عبد ياليل، أحد سادة الطائف، فرُدّ. وبينما هو منصرف مهمومًا جاءه جبريل ومعه ملك الجبال، فعرض أن يطبق الأخشبين على الذين ردّوه. فأبى النبي وقال إنه يرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده.
روت عائشة أن النبي (ﷺ) توفي ودرعه مرهونة عند رجل يهودي بثلاثين صاعًا من شعير.
روى عمرو بن الحارث أن النبي (ﷺ) لما مات لم يترك مالًا ولا عبدًا ولا شيئًا، إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضًا جعلها صدقة.
روى عقبة بن الحارث أن النبي (ﷺ) أسرع إلى بيته بعد صلاة العصر مباشرة. وبيّن أنه ترك في بيته قطعة ذهب من الصدقة وكره أن تبيت عنده، فأمر بقسمتها.
قالت عائشة لابن أختها عروة إنه كان يمر ثلاثة أهلّة، في شهرين، وما أوقدت في أبيات النبي (ﷺ) نار للطبخ. فكانوا يعيشون على التمر والماء، وشيء من اللبن يرسله إليهم جيران من الأنصار.
يروي أنس بن مالك أنه بينما كان الصحابة جالسين مع النبي (ﷺ) في المسجد، دخل رجل على جمل وسأل أيّهم محمد. وكان النبي جالسًا بينهم متكئًا على ذراعه، فأشاروا إليه. ثم سأله الرجل هل أرسله الله إلى الناس كافة، وعن الصلوات والصيام والصدقة.
روت عائشة أن قريشًا أهمّهم شأن امرأة من بني مخزوم الأشراف سرقت، فطلبوا من أسامة بن زيد أن يشفع لها. فسأله النبي (ﷺ) أيشفع في حدّ من حدود الله. ثم خطب فقال إن الأمم قبلهم إنما هلكوا لأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وأقسم أنه لو أن فاطمة ابنته سرقت لقطع يدها.
“فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۖ فَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ”
“وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا”
“لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٍۢ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا۟ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ”
هل كان مجنونًا؟
سمّاه أعداؤه مجنونًا فعلًا. والقرآن يسجّل قولهم: «إِنَّكَ لَمَجْنُونٌۭ». ويجيب: «مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍۢ». والسجل يوافق ذلك. فقبل بعثته اختاره قومه ليفصل في الخصام حول الحجر الأسود. بل عرضت قريش أن تبذل أموالها في علاجه، إن كان به رئيٌّ من الجن. لكن لما سمعه رسولهم عتبة يتلو، رجع وأخبرهم أنه سمع كلامًا ليس بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، ونصحهم أن يتركوه وشأنه. والرجل الذي سمّوه مجنونًا أنهى ثارات الدم في جزيرة العرب، وأعطى قبائلها شريعة واحدة. والجنون لا يفعل ذلك.
“وَقَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌۭ”
“مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍۢ”
يذكر أن محمدًا (ﷺ) كان معروفًا في قريش قبل بعثته بالأمين. ولما اختصمت القبائل فيمن يضع الحجر الأسود في مكانه عند إعادة بناء الكعبة، اتفقوا على أن يحكّموا أول من يدخل، فكان هو. وكان أهل مكة يودعون عنده أماناتهم، وعند الهجرة أبقى عليًّا بعده ليردها إلى أصحابها.
يذكر أن قريشًا أرسلت عتبة بن ربيعة إلى النبي (ﷺ) بعرض: إن كان يريد مالًا جعلوه أكثرهم مالًا؛ وإن كان يريد شرفًا سوّدوه عليهم؛ وإن كان يريد ملكًا ملّكوه عليهم؛ وإن كان به رَئِيٌّ من الجن بذلوا أموالهم في علاجه. فاستمع إليه النبي حتى فرغ، ثم قرأ عليه أول سورة فصلت. فرجع عتبة وأخبر قريشًا أنه سمع كلامًا ليس بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، ونصحهم أن يتركوه وشأنه.
رواية جابر بن عبد الله الطويلة لحجة الوداع التي حجها النبي (ﷺ). ففي خطبته بعرفة أعلن النبي أن دماء الناس وأموالهم حرام، وأن كل شيء من أمر الجاهلية موضوع، وأن دماء الجاهلية موضوعة، بدءًا بدم من أهل بيته.
هل كان مخدوعًا؟ الكتاب يصحّحه
يقول بعضهم إنه كان صادقًا لكنه مخدوع، وإن الصوت الذي سمعه جاء من عقله هو. لكن الرجل الذي يظن أفكاره كلام الله (﷾) لا يتلو آيات تلومه. والقرآن يعاتب النبي (ﷺ) بكلمات كان عليه أن يتلوها بصوت عالٍ على الناس الذين يقودهم. فهو يعاتبه على العبوس في وجه رجل أعمى. ويعاتبه على تحريمه على نفسه شيئًا حلالًا ابتغاء مرضاة أزواجه. ويقول له إن الأمر في شأن رجال معيّنين ليس له. ويأمره بأن يقول إنه لا يعلم الغيب. ولما كسفت الشمس يوم مات ابنه إبراهيم، قال الناس إنها كسفت لإبراهيم. فقال لهم إن الكسوف لا يكون لموت أحد ولا لحياته. والرجل الذي يخترع دينًا، أو يخدع نفسه، كان سيأخذ تلك العلامة. ويقول آخرون إنه كان ببساطة رجلًا صالحًا حكيمًا، مثل معلّمين في أديان أخرى عاشوا حياة بسيطة. لكن بوذا، مثلًا، قال إن الأبيات التي خطرت له لم تكن ملهمة من فوق. أما النبي (ﷺ) فقال مرة بعد مرة إن الله (﷾) كلّمه. والرجل الصالح لا يقول ذلك إن لم يكن كذلك. فهذا الجواب يعيدنا إلى الثلاثة: إما أنه كان يكذب، وإما أنه مخدوع، وإما أنه قال الحق.
“عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰٓ أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ وَهُوَ يَخْشَىٰ فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ”
“يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَٰجِكَ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ”
“لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَٰلِمُونَ”
“قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ ۚ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ”
روى المغيرة بن شعبة أن الشمس كسفت يوم مات إبراهيم ابن النبي (ﷺ)، فقال الناس إنها كسفت لموت إبراهيم. فقال النبي إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وأمرهم إذا رأوا الكسوف أن يصلّوا ويدعوا الله.
“ثم خطرت لي هذه الأبيات، التي لم تكن ملهَمة إلهامًا خارقًا، ولا متعلَّمة من قبل في الماضي:”
ما قاله عن نفسه
أُمر النبي (ﷺ) أن يقول إنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا. وأُمر أن يقول إنه لا يعلم الغيب، وإنه بشر يوحى إليه. ونهى أتباعه عن أن يطروه كما أطرت النصارى عيسى. ولما مات، سكّن صاحبه المقرّب أبو بكر المدينة الحزينة بتلاوة أن محمدًا (ﷺ) ما هو إلا رسول. فبكاه أتباعه بوصفه إنسانًا، لأنه علّمهم أن الله (﷾) وحده هو الحي الذي لا يموت.
“قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ ۚ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ”
“قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًۭا صَٰلِحًۭا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا”
روى عمر أنه سمع النبي (ﷺ) ينهى عن المبالغة في مدحه كما بالغت النصارى في مدح ابن مريم، ويقول إنه عبد، فليقولوا: عبد الله ورسوله.
روت عائشة أن النبي (ﷺ) لما مات أصر عمر على أنه لم يمت. فجاء أبو بكر فقبّل وجه النبي، ثم قال للناس: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. وقرأ 39:30 و3:144: «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌۭ»، فبكى الناس.
“وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًۭٔا ۗ وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ”
ما غيّره في جزيرة العرب
الرسالة التي جاء بها النبي (ﷺ) أدانت وأد البنات. وفي حجة الوداع، حجته الأخيرة، أنهى ثارات الدم في الجاهلية، وهو الاسم الذي يسمّي به المسلمون جزيرة العرب قبل الإسلام. ووضع القرآن مكانها شريعة القصاص، وأتاح لأهل المقتول أن يختاروا العفو أو أخذ الدية بدلًا منه. وحُرّمت الخمر والميسر خطوة بعد خطوة. ولما جاء التحريم الأخير، أُهرقت الخمر حتى جرت في سكك المدينة. وأُعطيت النساء نصيبًا مفروضًا من الميراث، وحق الاحتفاظ بما اكتسبن. ولما زوّج أب ابنته وهي كارهة، ردّ النبي (ﷺ) نكاحها. وصار تحرير الرقبة كفّارة لذنوب، مثل قتل مؤمن خطأً.
“وَإِذَا ٱلْمَوْءُۥدَةُ سُئِلَتْ بِأَىِّ ذَنۢبٍۢ قُتِلَتْ”
رواية جابر بن عبد الله الطويلة لحجة الوداع التي حجها النبي (ﷺ). ففي خطبته بعرفة أعلن النبي أن دماء الناس وأموالهم حرام، وأن كل شيء من أمر الجاهلية موضوع، وأن دماء الجاهلية موضوعة، بدءًا بدم من أهل بيته.
“يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى ۖ ٱلْحُرُّ بِٱلْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلْأُنثَىٰ بِٱلْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌۭ فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَٰنٍۢ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌۭ ۗ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌۭ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”
“۞ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌۭ كَبِيرٌۭ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ”
“يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا”
“يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَٰمُ رِجْسٌۭ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”
روى أنس أنه كان يسقي الشراب في بيت أبي طلحة حين أمر النبي (ﷺ) مناديًا ينادي بأن الخمر قد حُرّمت. فقال له أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فجرت في سكك المدينة.
“لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا”
“وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا۟ ۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ ۚ وَسْـَٔلُوا۟ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًۭا”
روت خنساء بنت خِذام، وكانت قد تزوّجت من قبل، أن أباها زوّجها وهي كارهة، فأتت النبي (ﷺ)، فردّ نكاحها.
“وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًۭٔا ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًۭٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ وَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟ ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّۢ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌۭ فَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا”
“وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا۟ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ”
حكم مؤرخ غربي
درس و. مونتغمري وات، وهو مؤرخ مسيحي للإسلام في إدنبرة، حياة النبي (ﷺ) عن كثب. وخلص إلى أن ثلاثة أمور تدل على صدقه: الاضطهاد الذي كان مستعدًّا لتحمّله، وأخلاق الرجال الذين اتّبعوه، وعظم ما أنجزه.
سيرة كتبها مؤرخ مسيحي للإسلام في جامعة إدنبرة. ويرى وات أن استعداد محمد (ﷺ) لتحمّل الاضطهاد في سبيل معتقده، وسموّ أخلاق الرجال الذين آمنوا به، وعظمة ما أنجزه، كلها تشهد لنزاهته الأساسية.
الجواب الذي يبقى
فالسجل يجيب عن كل تهمة. فلم يكن كاذبًا: فقد عرفه الأصدقاء والأعداء معًا صادقًا، وردّ المال والملك. ولم يكن مجنونًا: فقد وثق قومه بحكمه، ولم يستطع رسول أعدائه أن يسمّي ما يتلوه شعرًا أو سحرًا أو كهانة، ووحّد شعبًا في ظل شريعة واحدة. ولم يكن يخدع نفسه: فالكتاب الذي جاء به يصحّحه. وما يبقى هو الجواب الذي يعطيه القرآن. فهو لا ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى إليه.
سأل الإمبراطور البيزنطي هرقل أبا سفيان، وكان يومئذ لا يزال عدوًّا للنبي (ﷺ). فلما سُئل هل كانوا يتّهمون محمدًا بالكذب قبل أن يدّعي النبوة، أجاب بالنفي. فاستنتج هرقل أن رجلًا لم يكن ليكذب على الناس لا يكذب على الله.
يذكر أن قريشًا أرسلت عتبة بن ربيعة إلى النبي (ﷺ) بعرض: إن كان يريد مالًا جعلوه أكثرهم مالًا؛ وإن كان يريد شرفًا سوّدوه عليهم؛ وإن كان يريد ملكًا ملّكوه عليهم؛ وإن كان به رَئِيٌّ من الجن بذلوا أموالهم في علاجه. فاستمع إليه النبي حتى فرغ، ثم قرأ عليه أول سورة فصلت. فرجع عتبة وأخبر قريشًا أنه سمع كلامًا ليس بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، ونصحهم أن يتركوه وشأنه.
“عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰٓ أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ وَهُوَ يَخْشَىٰ فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ”
“وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌۭ يُوحَىٰ”
الأجوبة الثلاثة، تحت الاختبار
- كاذب؟ سمّاه قومه الأمين، وحتى عدوه أبو سفيان قال إنهم لم يتهموه بالكذب قط.
- الكاذب يتجنب الوعود التي يمكن التحقق منها. وقد قال القرآن إن الروم المهزومين سيَغلبون في بضع سنين، وإن أبا لهب سيموت كافرًا. وتحقق الأمران.
- طلبًا لمنفعة؟ عرضت عليه قريش المال والزعامة والملك ليكفّ. فأبى، ومات ودرعه مرهونة في شعير.
- مجنون؟ اختاره قومه ليحكم بينهم في خصوماتهم، وقال رسول أعدائه إن ما يتلوه ليس بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة.
- مخدوع؟ القرآن الذي كان يتلوه يصحّح له علنًا، وأبى أن يُنسب كسوف الشمس إلى موت ابنه.
- وما يبقى هو الجواب الذي قاله هو نفسه: إنه رسول الله (﷾).
اعتراض السم
القرآن 69:44-47 — سورة الحاقة، الآيات 44-47
“وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَٰجِزِينَ”
يُستشهد به على
يقول بعض المنتقدين إن هذه الآية تدين محمدًا (ﷺ) نفسه. ففي مرضه الأخير قال إنه يجد كأن أبهره (الشريان الأكبر للقلب) ينقطع، من السم الذي أكله بخيبر. فيقولون إن الله قطع منه الوتين، كما تقول الآية إنه يفعل بالمفتري.
الرد
الآية شرط. فلو تقوّل الرسول على الله (﷾) أقاويل، لأخذه الله (﷾) وقطع منه الوتين، ولما ذهبت الكذبة أبعد من ذلك. وليس هذا ما حدث. فقد أُعطي السم قبل وفاته بنحو أربع سنين. وفي تلك السنين ظل القرآن ينزل، ودخلت مكة ومعظم جزيرة العرب في الإسلام. وفي حجة الوداع أعلن القرآن أن الدين قد أُكمل. والمرأة التي سمّته قالت إنها أرادت قتله. فأجاب بأن الله (﷾) لم يكن ليسلّطها على ذلك. ولم يسلّطها: فقد عاش أربع سنين أخرى وأتمّ رسالته. ومات في مرضه الأخير في بيت عائشة. والمسلمون أنفسهم هم الذين سجّلوا كلماته عن الألم، في أوثق كتبهم. ولأنه كان لا يزال يجد أثر ذلك السم، يعدّ علماء المسلمين موته موت شهيد، وهو شرف لا عقوبة.
الخلاصة — الآية تصف مفتريًا يُقطع قبل أن يتمّ عمله. والنبي (ﷺ) أتمّ رسالته أولًا، فالآية لا تنطبق عليه.
التثنية 18:20 — سفر التثنية، الإصحاح 18، الآية 20
“وَأَمَّا ٱلنَّبِيُّ ٱلَّذِي يُطْغِي، فَيَتَكَلَّمُ بِٱسْمِي كَلَامًا لَمْ أُوصِهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، أَوِ ٱلَّذِي يَتَكَلَّمُ بِٱسْمِ آلِهَةٍ أُخْرَى، فَيَمُوتُ ذَلِكَ ٱلنَّبِيُّ.”
يُستشهد به على
تقول الشريعة إن النبي الذي يتكلم بما لم يأمر به الله يموت، ومحمد (ﷺ) مات بالسم.
الرد
موسى أيضًا مات «حَسَبَ قَوْلِ ٱلرَّبِّ»، ولا أحد يسمّيه كاذبًا. والآية حكم بالموت. والمشناه، وهي مجموعة مبكرة للشريعة اليهودية، تعدّ النبي الكاذب بين من تحكم عليهم المحكمة بالموت. ولم تحكم أي محكمة على النبي (ﷺ). بل مات في بيته بعد نحو أربع سنين، في مرضه الأخير، وقد أتمّ عمله. ويسوع نفسه يقول إن الأنبياء الصادقين قُتلوا (متى 23:37). والاختبار الذي يعطيه موسى هو هل يحدث كلام النبي.
الخلاصة — الموت ليس الاختبار الذي تعطيه الشريعة؛ بل النبوءة التي لا تتحقّق.
وجهات النظر
اخترعه
يقول المنتقدون إن محمدًا (ﷺ) اخترع القرآن بنفسه، أو بمساعدة غيره، وادّعى أنه من عند الله. وقد قال ذلك أولًا خصومه في مكة. ويضيف كثيرون أنه فعل ذلك طلبًا للمال والسلطة.
قال خصومه في مكة إن القرآن إفك افتراه وأعانه عليه آخرون. وقالوا إن بشرًا يعلّمه.
الرد
الناس أنفسهم كانوا يسمّونه الأمين. واعترف أبو سفيان، وهو لا يزال عدوّه، بأنهم لم يتّهموه بالكذب قط قبل بعثته. واستنتج هرقل: من لم يكن ليكذب على الناس لا يكذب على الله (﷾). والرجل الذي سمّوه معلّمه كان لسانه أعجميًّا، والقرآن عربي مبين (16:103).
قريش نفسها ظنّت أنه يريد المال أو الشرف أو الملك، وكثير من المنتقدين اليوم يقولون الشيء نفسه.
الرد
اختبرت قريش ذلك الظن. فعرضت أن تجعله أكثرهم مالًا وسيّدهم وملكهم إن كفّ. فرفض، وقرأ القرآن بدلًا من ذلك. ثم جاءت سنون من المقاطعة والاضطهاد والهجرة. ولما حكم جزيرة العرب فعلًا، مات ودرعه مرهونة بشعير، ولم يترك مالًا.
كان مجنونًا، أو به مسّ
يقول بعضهم إن محمدًا (ﷺ) كان مجنونًا، أو تحت سلطان روح، وإن ما سمعه لم يأتِ من الله. وقد قال أعداؤه في مكة ذلك أيضًا.
قال قومه إنه مجنون، أو به مسّ، وعرضت قريش أن تبذل المال في علاجه.
الرد
يجيبهم القرآن: «مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍۢ». والسجل يوافق ذلك. فقد اختاره قومه ليحكم في الخصام حول الحجر الأسود. وقال عتبة، الذي أرسله أعداؤه، إن الكلام الذي يتلوه ليس بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة. والرجل الذي سمّوه مجنونًا أنهى ثارات الدم في جزيرة العرب، وأعطى قبائلها شريعة واحدة.
صادق، لكنه غير مرسل
كثير من المؤرخين الذين لا دين لهم يقبلون أن محمدًا (ﷺ) كان صادقًا، كما احتجّ و. مونتغمري وات. لكنهم يرون أن الصدق لا يُثبت أن الله كلّمه.
كان محمد (ﷺ) يؤمن برسالته صادقًا، لكن الرجل الصادق قد يخطئ.
الرد
صحيح أن الصدق وحده ليس دليلًا. لكن الرجل الصادق المخطئ ليس عنده شيء خارج عقله يشهد له، والنبي (ﷺ) كان عنده الكثير. فحين سحقت فارس الروم، تنبّأ القرآن بأن الروم سيغلبون «فِى بِضْعِ سِنِينَ»، وقد غلبوا. وقال إن عمه أبا لهب سيصلى نارًا، أي أنه سيموت كافرًا. وعاش أبو لهب سنين بعد ذلك، ولم يكن عليه إلا أن يقول إنه مسلم، ولو كاذبًا، ليثير الشك فيها. ولم يفعل قط. وبإذن الله (﷾)، وأمام شهود، انشقّ القمر حين طلب أهل مكة آية. وفي الحديبية فار الماء من بين أصابعه لنحو خمس عشرة مئة رجل. والكتاب الذي جاء به، مع أنه لم يكن يقرأ، يسمّي الجبال أوتادًا، وقد تبيّن أن للجبال جذورًا عميقة. ولا يكرر شيئًا من الأخطاء الواثقة في عصره، مثل الرحم ذي القرنين أو البرق بوصفه بخارًا محترقًا. ولا يكرر أخطاء الكتاب المقدس، مع أن المنتقدين يقولون إنه نقل عنه: فهو لا يضع الأرض على أعمدة أبدًا، ولا يجعل النبات يُخلق قبل الشمس. وإذا أُخذ ذلك كله معًا، فما كان لعربي من القرن السابع لا يقرأ أن يعرف هذا كله، وأن يسلم من كل خطأ من حوله. والرجل الذي يخدع نفسه لا يتلو علانية آيات تعاتبه، ولا يرفض شرف كسوف في يوم موت ابنه. ولا يأتي بكتاب عجز سامعوه الأوائل عن الإتيان بمثله.
مؤرخ غربي للإسلام
قادت الدراسة الدقيقة لحياة النبي (ﷺ) أحد كبار المؤرخين الغربيين للإسلام المبكر إلى إثبات صدقه.
احتجّ و. مونتغمري وات بأن ثلاثة أمور تدل على صدقه: أنه كان مستعدًّا للمعاناة في سبيل معتقده، وأن أتباعه كانوا رجالًا ذوي أخلاق حسنة، وأنه أنجز الكثير.
الرؤية الإسلامية
كان محمد (ﷺ) رسول الله (﷾) وخاتم الأنبياء. والسجل ينفي الجوابين الآخرين. فلم يكن كاذبًا، ولا طالب منفعة. ولم يكن مجنونًا، ولا مخدوعًا. بل كان ما قال إنه هو.
قومه، حتى الأعداء الذين قاتلوه فيما بعد، كانوا يثقون بكلامه قبل بعثته، واعترفوا بذلك بعدها.
عرضت عليه قريش المال والسيادة والملك ليكفّ، فرفض.
لم يكسب مالًا من رسالته. ومات ودرعه مرهونة بشعير، ولم يترك مالًا.
قال رسول أعدائه نفسه إن الكلام الذي يتلوه ليس بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة.
يعاتبه القرآن في آيات تلاها علانية.
رفض أن ينسب الناس الكسوف إلى موت ابنه.
ادّعى أنه بشر ورسول فقط، ونهى عن الإطراء المبالغ فيه.
الرجل الذي يخترع دينًا ينتفع منه عادةً، والمجنون لا يوحّد شعبًا في ظل شريعة واحدة. وهذا الرجل ردّ المال والملك، ووثق قومه بحكمه، وجاء بكتاب يصحّحه. فأفضل تفسير أن دعواه كانت حقًّا.
محمد (ﷺ) رسول الله (﷾) وخاتم النبيين.