إجابة مختصرة
كان النبي محمد (ﷺ) ليّنًا متواضعًا عفوًّا، وعلّم أن حسن الخلق قلب الإيمان. وقالت زوجته عائشة إن خلقه كان القرآن: فقد عاش ما علّمه. وقالت إنه ما ضرب امرأة ولا خادمًا قط، وما انتقم لنفسه قط. وخدمه أنس عشر سنين فلم يُعاتَب مرة واحدة. ومع أنه قاد دولة، كان يعين في عمل البيت وينقل التراب بجانب أصحابه. وكان يعود المرضى، حتى غلامًا يهوديًّا كان يخدمه. ولما ردّه أحد سادة الطائف، عرض عليه ملَك أن يهلك القوم الذين ردّوه. فأبى، ورجا أن يعبد أبناؤهم الله (﷾). وقال إن الكلمة الطيبة صدقة، وإن الله (﷾) ينظر إلى القلوب لا إلى الصور. والقرآن يسمّيه أسوة حسنة للمؤمنين.
الشرح الكامل
ما يقوله القرآن عنه
يقول القرآن للنبي (ﷺ) إنه على خلق عظيم. ويقول إن لينه كان رحمة من الله (﷾)، وإن الناس كانوا سينفضّون عنه لو كان فظًّا. ويسمّيه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله (﷾)، ورحمة للعالمين.
“وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍۢ”
“فَبِمَا رَحْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ”
“لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا”
“وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةًۭ لِّلْعَٰلَمِينَ”
الذين عاشوا معه
الناس الذين رأوا النبي (ﷺ) في بيته يروون الخبر نفسه. فقد قالت زوجته عائشة إن خلقه كان القرآن. وقالت إنه ما ضرب امرأة ولا خادمًا قط، وما انتقم لنفسه قط. وقال أنس، الذي خدمه منذ صباه، إنه في عشر سنين لم يُكلَّم بتضجّر مرة واحدة.
سأل سعد بن هشام عائشة عن خلق النبي (ﷺ). فقالت له: ألست تقرأ القرآن؟ وقالت إن خلق النبي كان القرآن.
روت عائشة أن النبي (ﷺ) ما ضرب أحدًا بيده قط، لا امرأة ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله. وما انتقم لنفسه من شيء نِيل منه قط، إلا أن يُنتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله.
روت عائشة أن النبي (ﷺ) ما خُيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا. وما انتقم لنفسه قط، إلا أن تُنتهك حدود الله.
روى أنس أنه خدم النبي (ﷺ) عشر سنين، فما قال له النبي ولو كلمة تضجّر قط، ولا سأله لِمَ صنعت كذا، ولا لِمَ لم تصنع كذا.
متواضع وهو في السلطة
كان النبي (ﷺ) يخدم أهله في البيت. ونقل التراب مع أصحابه حين حفروا الخندق حول المدينة. وعاد غلامًا يهوديًّا كان يخدمه حين مرض. ووجده عمر، وهو من كبار الصحابة، مرةً على حصير من سعف النخل ليس بينه وبينه شيء، وقد أثّر الحصير في جنبه. فبكى عمر، لأن قيصر وكسرى (حاكمي الروم وفارس) يعيشان في النعيم. فأجابه النبي (ﷺ) بأن لهم الدنيا. ومات ودرعه مرهونة في شعير. ولم يكن يرضى حتى أن يقوم أتباعه بين يديه كما يقوم الفرس والروم على ملوكهم. ونهاهم أن يبالغوا في مدحه كما بالغت النصارى في مدح ابن مريم. فما هو إلا عبد، فليقولوا: عبد الله ورسوله.
سأل الأسود عائشة: ما كان النبي (ﷺ) يصنع في بيته؟ فقالت إنه كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة.
روى البراء أنه رأى النبي (ﷺ) يوم الأحزاب ينقل التراب، وقد وارى التراب بطنه، وهم يحفرون الخندق.
روى أنس أن غلامًا يهوديًا كان يخدم النبي (ﷺ) مرض، فأتاه النبي يعوده. فقعد عند رأسه ودعاه إلى الإسلام؛ فنظر الغلام إلى أبيه، فقال له: أطعه، فأسلم.
وجد عمر النبي (ﷺ) مضطجعًا على حصير من سعف النخل ليس بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف. فلما رأى عمر أثر الحصير في جنبه بكى، وقال إن قيصر وكسرى فيما هما فيه من النعيم وهو فيما هو فيه من الحاجة. فقال النبي: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا وللمؤمنين الآخرة؟
روت عائشة أن النبي (ﷺ) توفي ودرعه مرهونة عند رجل يهودي بثلاثين صاعًا من شعير.
روى جابر أن النبي (ﷺ) صلى بالناس وهو مريض قاعدًا، والناس خلفه قيام. فأشار إليهم أن اقعدوا، ثم قال لهم إنهم كادوا يفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا يفعلوا.
روى عمر أنه سمع النبي (ﷺ) ينهى عن المبالغة في مدحه كما بالغت النصارى في مدح ابن مريم، ويقول إنه عبد، فليقولوا: عبد الله ورسوله.
رحمة بمن ظلموه
سُئل النبي (ﷺ) هل أتى عليه يوم أشد من يوم أحد (معركة قرب المدينة). فقال إن أشد ما لقيه من قومه كان يوم ردّه أحد سادة الطائف. والطائف بلدة قرب مكة. فانصرف مهمومًا حزينًا. فعرض عليه ملَك أن يطبق جبلي مكة على قومه الذين ردّوه. فأبى، وقال إنه يرجو أن يعبد أبناؤهم الله (﷾) وحده. ومرةً جبذه أعرابي (عربي من البادية) بردائه جبذة شديدة حتى أثّرت في عاتقه، وطلب مالًا. فضحك النبي (ﷺ) وأمر له بعطاء.
سألت عائشة النبي (ﷺ) هل أتى عليه يوم أشد من يوم أحد. فذكر اليوم الذي عرض فيه دعوته على ابن عبد ياليل، أحد سادة الطائف، فرُدّ. وبينما هو منصرف مهمومًا جاءه جبريل ومعه ملك الجبال، فعرض أن يطبق الأخشبين على الذين ردّوه. فأبى النبي وقال إنه يرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده.
روى أنس أن أعرابيًا جبذ رداء النبي (ﷺ) جبذة شديدة حتى أثّرت حاشيته في عاتقه، وطلب أن يُعطى من مال الله الذي عنده. فالتفت إليه النبي فضحك، ثم أمر له بعطاء.
ما علّمه
علّم النبي (ﷺ) أن خيار الناس أحسنهم أخلاقًا، وأن المؤمنين جسد واحد. ولا يؤمن أحد حقًّا حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. ومن لا يرحم الناس لا يُرحم. ولا معروف صغير، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق، والكلمة الطيبة صدقة. والمؤمن يحسن إلى جاره. والله (﷾) ينظر إلى القلوب والأعمال، لا إلى الصور والأموال. والأجير يُعطى أجره قبل أن يجف عرقه. وغُفر لرجل لأنه سقى كلبًا عطشان.
روى عبد الله بن عمرو أن النبي (ﷺ) لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، وكان يقول إن خيار الناس أحسنهم أخلاقًا.
روى النعمان بن بشير أن النبي (ﷺ) قال إن المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد: إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
روى أنس أن النبي (ﷺ) قال إنه لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
روى جرير بن عبد الله أن النبي (ﷺ) قال إن من لا يرحم الناس لا يُرحم.
روى أبو ذر أن النبي (ﷺ) قال له ألا يحقر من المعروف شيئًا، ولو أن يلقى أخاه بوجه طلق.
روى أبو هريرة أن النبي (ﷺ) قال إن على كل سُلامى من الجسد صدقة كل يوم: فالعدل بين اثنين صدقة، وإعانة الرجل على دابته أو رفع متاعه عليها صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة إلى الصلاة صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة.
روى أبو هريرة أن النبي (ﷺ) قال إن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، وليحسن إلى جاره، وليكرم ضيفه.
روى أبو هريرة أن النبي (ﷺ) قال إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.
روى عبد الله بن عمر أن النبي (ﷺ) قال: أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه.
روى أبو هريرة أن النبي (ﷺ) حدّث عن رجل عطشان شرب من بئر، ثم رأى كلبًا يأكل الثرى من العطش. فنزل البئر مرة أخرى فملأ خفه ماء وسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له. فلما سُئل: أفي البهائم أجر؟ قال النبي إن في كل كبد رطبة أجرًا.
هل ضرب عائشة قط؟
صحيح مسلم 974 — كتاب الجنائز، الحديث 974
روت عائشة أن النبي (ﷺ) خرج ذات ليلة خفية، فتبعته إلى مقبرة البقيع، حيث دعا للموتى. فسبقته إلى البيت جريًا، فلما وجدها لاهثة وعلم ما فعلت، دفعها في صدرها دفعة أوجعتها، وسألها: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟ ثم أخبرها أن جبريل ناداه ليخرج فيستغفر لأهل البقيع.
يُستشهد به على
عائشة نفسها تقول إنه ضربها في صدرها فأوجعها، فقد ضرب امرأة.
الرد
كلمة عائشة (لَهَدَ)، وهي دفعة في الصدر. وقد أوجعتها، وهي تقول ذلك. لكنها كانت دفعة واحدة وهو يكلّمها، لا ضربة. وعائشة نفسها تروي الخبرين: هذه الدفعة، وأنه ما ضرب امرأة ولا خادمًا بيده قط.
الخلاصة — دفعة واحدة في الصدر، ترويها عائشة نفسها، ليست الضربة باليد التي تقول إنه لم يضرب بها امرأة قط.
وجهات النظر
الرؤية الإسلامية
النبي محمد (ﷺ) هو القدوة في السلوك التي جعلها الله (﷾) للمؤمنين. وأقرب الناس إليه يصفون رجلًا ليّنًا في بيته، متواضعًا في السلطة، عفوًّا عن أعدائه. وأقواله تجعل حسن الخلق ميزان الإيمان.
يقول القرآن إن النبي (ﷺ) على خلق عظيم، وإنه أسوة حسنة للمؤمنين.
وصفت عائشة خلقه بأنه القرآن نفسه.
ما ضرب امرأة ولا خادمًا قط، وما انتقم لنفسه قط. ولم يكن ينتقم إلا حين تُنتهك حدود الله (﷾).
خدمه أنس عشر سنين فلم يُكلَّم بتضجّر مرة واحدة.
كان يخدم أهله في البيت، ونقل التراب عند الخندق، وعاد غلامًا يهوديًّا خادمًا مريضًا.
رفض تعظيم الملوك، ونهى عن المبالغة في مدحه.
عُرض عليه إهلاك أهل مكة الذين ردّوه. فرجا بدلًا من ذلك أن يعبد أبناؤهم الله (﷾) وحده.
علّم أن خيار الناس أحسنهم أخلاقًا.
علّم أن الله (﷾) ينظر إلى القلوب والأعمال، لا إلى الصور والأموال.
علّم أن في الإحسان إلى كل كائن حي أجرًا.