إجابة مختصرة
لا. فالدموع والحزن ليسا تقصيرًا في الإيمان. فحين كان إبراهيم، ابن النبي (ﷺ) الرضيع، يجود بنفسه، بكى النبي (ﷺ). فتعجب أحد أصحابه، فقال النبي (ﷺ) إن هذه رحمة. وقال إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا. والنبي يعقوب حزن على ابنه يوسف سنين، حتى ابيضت عيناه من الحزن. ومع ذلك شكا حزنه إلى الله (﷾) وحده، وأمر بنيه ألا ييأسوا أبدًا من رحمة الله (﷾). وما يحرّمه الإسلام ليس الحزن. بل النياحة، ولطم الوجه، وشق الثياب، وكلمات السخط على الله (﷾). فللمؤمن أن يبكي ويشكو ألمه إلى الله (﷾). ولا يعرض عنه.
الشرح الكامل
النبي (ﷺ) بكى على ابنه
حمل النبي (ﷺ) ابنه الرضيع إبراهيم وهو يجود بنفسه، فاغرورقت عيناه بالدموع. فسأله عبد الرحمن بن عوف، أحد أصحابه، هل يبكي هو أيضًا. فسمّاها النبي (ﷺ) رحمة. ثم قال الكلمات التي تجمع الطريقة الإسلامية في الحزن. العين تدمع والقلب يحزن، لكن اللسان لا يقول إلا ما يرضي الله (﷾). وبكى أيضًا حين كان حفيد له يحتضر، وقال إن هذه رحمة جعلها الله (﷾) في قلوب عباده.
يروي أنس أن إبراهيم، ابن النبي (ﷺ) الرضيع، كان يجود بنفسه، فذرفت عينا النبي. فسأله عبد الرحمن بن عوف متعجبًا: وأنت أيضًا تبكي؟ فأجاب بأنها رحمة. ثم بكى أكثر وقال إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا، وإنهم بفراق إبراهيم لمحزونون.
يروي أسامة بن زيد أن ابنة النبي (ﷺ) أرسلت إليه وابنها يحتضر. فأرسل إليها أولًا أن لله ما أخذ وله ما أعطى، وأن كل شيء عنده بأجل مسمّى، وأن عليها أن تصبر وتحتسب. فلما رُفع إليه الصبي ونفسه تتقعقع، فاضت عيناه بالدموع. فسُئل: ما هذا؟ فقال إنها رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.
حزن يعقوب على يوسف
يحكي القرآن عن النبي يعقوب، الذي فقد ابنه يوسف سنين كثيرة. فحزن حزنًا شديدًا حتى ابيضت عيناه من الحزن. ومع ذلك قال إنه لا يشكو بثّه وحزنه إلا إلى الله (﷾). وأمر بنيه ألا ييأسوا أبدًا من رحمة الله (﷾)، لأنه لا ييأس منها إلا الذين لا إيمان لهم. فحزن النبي مسجّل في الكتاب جزءًا من إيمانه، لا زلة عنه.
“وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌۭ”
“قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ”
“يَٰبَنِىَّ ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَٰفِرُونَ”
أين يُرسم الحد
بكى النبي (ﷺ) عند فراش صاحب مريض. وبيّن أن الله (﷾) لا يعذّب بدمع العين ولا بحزن القلب. وإنما الذي يُحاسب عليه ما يقوله اللسان. وقال أيضًا إنه ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية كما كان الناس يفعلون قبل الإسلام. فالحزن مباح؛ أما اليأس والاعتراض على الله (﷾) فلا.
يروي عبد الله بن عمر أن النبي (ﷺ) عاد سعد بن عبادة في مرضه فبكى، وبكى من كان معه. فقال النبي إن الله لا يعذّب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذّب بهذا أو يرحم، وأشار إلى لسانه.
يروي عبد الله بن مسعود أن النبي (ﷺ) قال إنه ليس منا من لطم الخدود وشقّ الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية.
ما يقال حين تنزل المصيبة
يخبر القرآن المؤمنين بأنهم سيُبتلون بالخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات. ويبشّر الصابرين الذين يقولون: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ». وعلّم النبي (ﷺ) دعاءً قصيرًا يضاف إليه: «اللهم أْجُرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها». وقالته أم سلمة حين مات زوجها، فوجدته قد استُجيب. وصارت بعد ذلك زوجًا للنبي (ﷺ).
“وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۭ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌۭ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ”
تروي أم سلمة أن النبي (ﷺ) علّم أن المسلم إذا أصابته مصيبة فقال ما أمره الله به: «إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أْجُرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها»، أخلف الله له خيرًا منها. فلما مات زوجها أبو سلمة تساءلت من يكون خيرًا منه، لكنها قالت الكلمات، فزوّجها الله رسولَ الله.
لا ألم يضيع
قال النبي (ﷺ) إن كل همّ أو حزن أو أذى يصيب المؤمن يكفّر الله (﷾) به من خطاياه. حتى الشوكة يُشاكها. وقال إن أمر المؤمن كله خير. فإن أُعطي شيئًا شكر الله (﷾). وإن أصابته شدة صبر. وكلاهما خير له. والقرآن يعد بأن مع كل عسر يسرًا.
يروي أبو سعيد الخدري وأبو هريرة أن النبي (ﷺ) قال إنه ما يصيب المسلم من تعب ولا مرض ولا همّ ولا حزن ولا أذى ولا غمّ، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه.
يروي صهيب أن النبي (ﷺ) قال إن أمر المؤمن عجب، فأمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له.
“فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًۭا”
وجهات النظر
الرؤية الإسلامية
الحزن رحمة يجعلها الله (﷾) في القلب، والنبي (ﷺ) نفسه بكى. والصبر لا يعني ألا يشعر المرء بشيء. بل يعني ألا يقول إلا ما يرضي الله (﷾)، وأن يشكو إليه، وألا ييأس أبدًا من رحمته.
بكى النبي (ﷺ) حين مات ابنه إبراهيم. وقال إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.
بكى النبي (ﷺ) عند طفل يحتضر. وسمّى دموعه رحمة يجعلها الله (﷾) في قلوب عباده.
القرآن يسجّل أن يعقوب حزن حتى ابيضت عيناه. وشكا حزنه إلى الله (﷾) وحده.
علّم النبي (ﷺ) أن الله (﷾) لا يعذّب بالدموع ولا بالقلب الحزين، وإنما بما يقوله اللسان.
لطم الوجه، وشق الثياب، وصيحات النياحة التي كانت في الجاهلية، محرّمة.
كل شدة تصيب المسلم يكفّر الله (﷾) بها من خطاياه. والمؤمن الصابر لا يخسر بها شيئًا.